قصة يوم عاشوراء / أسامة شحادة

(1)

كان يوم العاشر من محرم يومًا كسائر الأيام في الإسلام حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوجد اليهود يصومونه، ولما علم أنهم يصومونه بسبب نجاة موسى عليه السلام فيه من فرعون، قال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسي منكم» [رواه ابن ماجه] فصامه وأمر الناس بصيامه، وقال صلى الله عليه وسلم عن أجر صيامه: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه ابن ماجه].

وهكذا بقي حال يوم عاشوراء في حياة المسلمين يوم مبارك يصومونه شكراً لله عز وجل على نجاة موسى عليه السلام كما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام، في تطبيق عملي جديد لعقيدة الإيمان والحب لسائر الأنبياء والمرسلين، وبقي هذا هو الحال في بقية حياته صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده وزمن خلافة الحسن ومعاوية وبداية خلافة يزيد.

(2)

وفي سنة 61 هـ طلب شيعة الكوفة من الحسين رضي الله عنه أن يأتيهم لينصروه ويولوه الخلافة، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليستطلع حقيقة نصرتهم، فلما وصل ابن عقيل الكوفة خانه الشيعة وأسلموه لوالى يزيد فقتله، وكانت هذه أول خيانات الشيعة للحسين، ولم تصل أخبار خيانة شيعة الكوفة للحسين إلا متأخرة، مما تسبب في تعرض الحسين رضي الله عنه لمعركة غير متكافئة مع أنصار يزيد الجدد وهم شيعته الخونة، فكانت الفاجعة بمقتل الحسين رضي الله عنه.

وهذه الخيانة للحسين من قبل شيعته تعترف بها المصادر الشيعية، فتروى مصادرهم أن الحر بن يزيد نادى شيعة الكوفة الذين انضموا لجيش ابن زياد، وقال لهم: (\"أدعوتم هذا العبد الصالح، حتى إذا جاءكم أسلمتموه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه فصار كالأسير في أيديكم؟ لا سقاكم الله يوم الظمأ)\" [الإرشاد للمفيد 234، إعلام الورى بأعلام الهدى 242]، لذلك دعا الحسين على شيعته قائلاً: (\"اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً (أي شيعاً وأحزاباً) واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا)\" [الإرشاد للمفيد 241، إعلام الورى للطبرسي 949، كشف الغمة 18:2و38].

ويلخص العلامة السيد محسن الأمين الفاجعة بقوله: (\"بايع الحسين عشرون ألفاً من أهل العراق، غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه)\" [أعيان الشيعة 1/34]، ولمزيد من التفاصيل ينصح بكتاب (من قتل الحسين؟ لعبدالله عبد العزيز).

ولقد تلقت الأمة الإسلامية هذه الحادثة بالاستعظام، والبراءة من الخونة من شيعة الحسين الذين قتلوه رضي الله عنه، ولكن القضاء قد نفذ، والموت حق على كل أحد، فلزم آل البيت وغيرهم الصبر على مُرّ القضاء واستمرت عادة المسلمين في يوم عاشوراء على ما كان من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من الصوم شكراً بنجاة موسي عليه السلام.

(3)

وبقي الأمر كذلك حتى استولى البويهيون الشيعة على بغداد زمن الدولة العباسية سنة 334هـ، فأظهروا البدع في عاشوراء كما يروي لنا ابن كثير في البداية والنهاية: (\"فكانت الدَّبادب (نوع من الطبول) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين؛ لأنه قتل عطشان، ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الأسواق)\".

(4)

مع ظهور الدولة الصفوية التركمانية واحتلالها لإيران في القرن العاشر الهجري، وقيامها بإجبار الشعب الإيراني السني على التشيع من خلال القتل والترويع والاضطهاد، تم استحداث طقوس جديدة في يوم عاشوراء، الدكتورة سلوى العمد في كتابها (الإمام الشهيد في التاريخ والايدلوجيا شهيد الشيعة مقابل بطل السنة)، والذي هو في الأصل رسالتها لدرجة الماجستير من الجامعة الأمريكية ببيروت، تلخص لنا هذا التطور بقولها: (\"تجدر الإشارة إلى أن الشكل الشائع لعاشوراء على النحو المعروف لنا في الوقت الحاضر (أي رواية سيرة الحسين في محافل شعبية) تعود جذوره - على الأرجح - إلى القرن العاشر للهجرة  السادس عشر للميلاد، عندما اعتلى الصفويون سدَّة الحكم في إيران، واتخذوا من التشيع عقيدة رسمية لدولتهم، بتشجيع من علماء شيعة كانوا قد هاجروا إلى إيران من جبل عامل في لبنان، وكانت إيران قبل ذلك التاريخ ذات أغلبية سنية.

وقد أضاف الإيرانيون للذكرى شيئاً من تراثهم الفولكلوري، وطبعوا شعائر العزاء الحسيني بطابعهم القومي، وكان لهم دور في انتقالها إلى الهند وأذربيجان التركية والأناضول وبعض مناطق سيبيريا. ومع الوقت تطورت هذه الشعائر بنوعيها المعروفين لنا في الوقت الحاضر، أي رواية سيرة الشهيد (ممسرحة enacted في تجمعات شعبية حافلة) تليها المواكب، التي بدأت كتقليد متبع في القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد، وكانت حصيلة الدمج بين هذين النمطين في إيران إبان القرن الثامن عشر، ولادة ما يعرف في هذا البلد بمسرح التعزية)\".

ويفصل لنا الدكتور علي شريعتي - وهو من كبار المصلحين الإيرانيين المعاصرين - حول حقيقة مصدر هذه الطقوس الجديدة يوم عاشوراء في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) (\"بأن هذه الطقوس الجديدة هي تقليد للطقوس النصرانية التي كانت تُمارس في أوروبا، وتحديداً في إيطاليا حول ما يسمى بالآلام التي عانى منها السيد المسيح - عليه السلام - أثنــاء ما يسمى بحادثة صلبه ومعاناته للآلام على الصليب. حيث أن وزير الشعائر الحسينية في ظل الحكم الصفوي بإيران سافر إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسيم الدينية، والطقوس المذهبية، والمحافل الاجتماعية المسيحية، وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية، والوسائل المتبعة في ذلك، حتى أنماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات، واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران بعد إجراء تعديلات عليها)\".

وأضاف شريعتي: (\"أن من بين تلك الطقوس النعش الرمزي، والضرب بالزناجيل والأقفال والتطبير)\".

أما المؤرخ الشيعي اللبناني حسن الأمين فيوافقه على المصدر النصراني لهذه الطقوس، لكنه لا يوافقه على البلد الذي جاءت منه الفكرة، فيقول: (\"إنه كان في بلاد القفقاس مسيحيون يقومون بتعذيب أجسادهم فداء للسيد المسيح، وكان في القفقاس عدد قليل من الشيعة نقلوه إلى إيران عندما كانوا يذهبون لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا)\".

وينسب الكاتب اليهودي إسحاق النقاش في كتابه (شيعة العراق) للدولة القاجارية - التي تلت الدولة الصفوية - إضافة طقوس الضرب بالسلاسل الحديدية على الظهر، والسكاكين على الرأس، من خلال التركمان الآذريين.

أما الدكتور موسي الموسوي في كتابه (الشيعة والتصحيح) فيرى أن ضرب الرؤوس بالسيوف قد دخل إيران والعراق من خلال الاحتلال الإنكليزي لهما، وقد تم استيراده من الهند، ويؤكد الموسوي أن السفارة الإنكليزية هي التي كانت تنفق على المواكب الحسينية في موسم عاشوراء!!

(5)

ولا يزال التطوير مستمر في هذه الطقوس، فالشيعة في الهند أضافوا حديثاً طقساً جديداً الى عذابات عاشوراء هو ظاهرة المشي على النار، وهو من إيحاءات سيسيولوجيا التدين الهندوسي، المجاور!

والشيعة في أوروبا يتبنون صورة للحسين رضي الله عنه تكاد تتطابق مع صورة المسيح عليه السلام الدارجة هناك!!

كما أن هناك دعوات لطقوس جديدة، مثل اقتراح الشيخ عباس النابلسي إلى تنظيم (\"أوبرا)\" تختص بعاشوراء، لتوظيف الغناء والموسيقى والمسرح والرسم، وكل الأشكال الفنية لخدمة عاشوراء!!

وهكذا تم إفراغ يوم عاشوراء من مضمونه في الوحدة الإسلامية بين الأنبياء، ليصبح يوم تشحن فيه النفوس بالطائفية؛ لتفتيت الوحدة الإسلامية بصور وأشكال متعددة تحت شعار: يا لثارات الحسين!!