منهج التصدي للغزو الباطني أ.د. ناصر بن عبد الله القفاري

لا شك بأن بيان حال الفرق الخارجة عن الجماعة، والمجانبة للسنة ضروري لرفع الالتباس، وبيان الحق للناس، ونشر دين الله سبحانه، وإقامة الحجة على تلك الطوائف ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة فإن الحق لا يكاد يخفى على أحد، وإنما يضلل هؤلاء أتباعهم بالشبهات والأقوال الموهمة، ولذلك فإن أتباع تلك الطوائف هم ما بين زنديق، أو جاهل، ومن الضروري تعليم الجاهل، وكشف حالِ الزنديق ليُعرف ويُحذر.

وبيان حال أئمة البدع المخالفة للكتاب والسنة واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: «إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء[1].

وقد وجد العدو المتربص بالأمة في هذه الفرق الخارجة عن الجماعة، وسيلة لإيقاع الفتنة في الأمة، وهذا الكلام قد قلته بعيد الثورة الإيرانية.

ثم قلت معلقًا عليه: ولا يبعد أنه اليوم يريد أن يستثمر هذه المسألة لمواجهة بوادر البعث الإسلامي المتنامي في أرجاء المعمورة، والوقوف في وجه المد الإسلامي الذي امتدت آثاره إلى عقر داره، لأنه يتخذ من تقارير مستشاريه - الذين يهتمون أبلغ الاهتمام بتاريخ تلك الطوائف وعقائدهم - منهجًا يحتذيه في علاقته مع المسلمين ودولهم، ولذا نلحظ أنه يغذي بعض هذه الطوائف، ويهيئ الوسائل لوصولها لدفة الحكم والتوجيه.

ولا شك أن بيان الحق في أمر هذه الفرق فيه تفويت للفرصة أمام العدو لتوسيع رقعة الخلاف واستمراره؛ فإن ترك رؤوس زنادقة البدع يسعون لإضلال الناس، ويعملون على تكثير سوادهم، والتغرير بأتباعهم، ويدعون أن ما هم عليه هو الإسلام، هو من باب الصد عن دين الله وشرعه، حتى إن من أسباب خروج الملاحدة ظنهم أن الإسلام هو ما عليه فرق أهل البدعة، ورأوا أن ذلك فاسدٌ في العقل فكفروا بالدين أصلًا.

ومعظم الفرق التي خرجت عن الجماعة ضعف نشاطها اليوم، وفتر حماسها وتقلص أتباعها، وانكفأت على نفسها، وقلَّت منابذتها أهل السنة سوى طائفة الإثنى عشرية التي تسمى في عصرنا بالشيعة، فإن هجومها على أهل السنة، وتجريحها لرجالهم، وطعنها في مذهبهم، وسعيها لنشر التشيع بينهم يزداد يومًا بعد يوم، وهي أشد فرق الشيعة سعيًا لإضلال العباد إن لم تكن الفرقة الوحيدة التي تُكثر من التطاول على السنة، والكيد لها على الدوام مما لا تجده عند فرقة أخرى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا أكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولي الأحلام[2]، وقال أيضًا: «فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قبل الرافضة، وتجدهم من أعظم الناس فتنًا وشرًّا، وأنهم لا يقعدون عما يمكنهم من الفتن والشر وإيقاع الفساد بين الأمة[3].

واهتمام هذه الطائفة بنشر مذهبها والدعوة إليه أمر لا ينكر، ولديها دعاة متفرغون ومنظمون، ولها في كل مكان (غالبًا) خلية ونشاط، وتوجه جل اهتمامها في الدعوة لنحلتها في أوساط أهل السنة، ولا أظن أن طائفة من طوائف البدع تبلغ شأو هذه الطائفة في العمل لنشر معتقدها والاهتمام بذلك، فهي اليوم تسعى جاهدة لنشر مذهبها في العالم الإسلامي، وتصدير ثروتها، وإقامة دولتها الكبرى بمختلف الوسائل.

وقد تحولت سفارات دولة الشيعة في إيران إلى مركز للدعوة إلى مذهبها في صفوف الطلبة، والعاملين المسلمين في العالم. وهي تهتم بدعوة المسلمين أكثر من اهتمامها بدعوة الكافرين[4].

ولا شك أن المسؤولية كبيرة في إيضاح الحقيقة أمام المسلمين، ولاسيما الذين دخلوا في سلك التشيع حبًّا لأهل البيت واعتقادًا منهم أن هذا الطريق عين الحق، وطريق الصدق. كما أن هذه الفرقة لها اهتمام دعائي في الدعوة للتقارب مع أهل السنة، وقد أقامت المراكز، وأرسلت الدعاة، وأنشأت الجمعيات التي ترفع شار الوحدة الإسلامية[5].

لذا كان من الواجب المتعين وضع منهج لمقاومة هذا الغزو الرافضي الباطني لديار المسلمين، وهو يقوم على أصلين:

الأول: التحصين الذاتي للأمة ببيان السنة ونشرها، والتحذير من البدعة وفضحها.

والثاني: مواجهة البدعة والمبتدعين بالوسائل الشرعية المناسبة للحال والزمان والمكان .

أما الأول فإن خير سبيل لمقاومة البدعة ودرء الفرقة هو نشر السنة بين الناس، وبيان ضلال الخارجين عنها، ولذلك نهض أئمة السنة بهذا الأمر كما فعل الإمام أحمد في «الرد على الزنادقة والجهمية»، والإمام البخاري في «الرد على الجهمية»، وابن قتيبة في «الرد على الجهمية والمشبهة»، والدارمي في «الرد على بشر المريسي»، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الرافضة والجهمية وغيرهم.

وأما الثاني فإنه لابد عند مواجهة المبتدعة من التعامل معهم وفق أصول السياسة الشرعية، وعلى حسب نوع البدعة وانتشارها وقوة أهل السنة وضعفهم، فيجب على عموم الأمة مقاومة البدعة، كلٌّ حسب استطاعته وقدرته، ففرق بين ما يجب على أهل السنة في إيران أمام ركام هائل من الرفض، وحشد متآمر من الروافض حيث الدولة للرافضة والقوة معهم، وما يجب على أهل السنة في مصر والمغرب والسعودية وغيرها إزاء الوجود الرافضي، قال ابن أبي العز: «وأما ما يجب على أعيانهم [يعني كل واحد بعينه]: فهذا يتنوع بتنوع قُدَرهم، وحاجتهم، ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص، وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك[6].

المنهج الشرعي في مواجهة المبتدعة:

المنهج الأمثل في التعامل معهم إنما يتلقى من النصوص العامة في الكتاب والسنة، قال تعالى: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125] ،  وكذلك الرجوع إلى هدي الصحابة والتابعين والأئمة في تعاملهم مع البدع والمبتدعة، ويأتي في مقدمتها هدي الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

كما يمكن أن يستفاد من الوقائع التاريخية والتي يأتي في مقدمتها واقعة ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج حيث استطاع بعد مناظرتهم ومحاورتهم إرجاع طائفة كبيرة منهم إلى السنة والجماعة[7].

والروافض وإن اختلفوا عن الخوارج في منشأ الضلال؛ لأن الخوارج أتوا من سوء فهمهم، حيث يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، إلا أن منشأ ضلال الروافض سوء قصدهم، وخبث طويتهم، ومع ذلك فإن الحق إذا جاء على الباطل فلا يلبث الباطل أن يكون زهوقًا.

والوقائع كثيرة في ذلك، في المجال الفردي والجماعي، وتأتي في مقدمتها التجربة المثلى التي استطاع بها المجاهد صلاح الدين إزالة الوجود الرافضي من أرض الكنانة، لا بالقوة كما فعل الصفويون بأهل السنة في إيران، بل بالحجة والإقناع، ونشر العلم والسنة، وإعلاء مكانة العلم وأهله؛ لأن ظلمة الباطل سرعان ما تنجلي بنور الحق: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:18] .

ولعل من المناسب أن يستشهد في مجال التعامل مع الوجود الرافضي المتزايد في الدول الإسلامية بفتوى مهمة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أجد من نبه عليها وأشار لها مع أهميتها؛ لأنها تمثل منهجًا دعويًّا فريدًا من جهة، ومن جهة أخرى تبين عدل أئمة السنة مع مخالفيهم مهما جاروا وظلموا واعتدَوا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقًا عظيمًا وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان[8]، أخذوا الخيل والسلاح والأسرى، وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضرَّ على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيهما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين. ومع هذا فلما استشار بعض ولاة الأمر في غزوهم، وكتبت جوابًا مبسوطًا في غزوهم، وذهبنا إلى ناحيتهم وحضر عندي جماعة منهم، وجرت بيني وبينهم مناظرات ومفاوضات يطول وصفها، فلما فتح المسلمون بلدهم، وتمكن المسلمون منهم، نهيتهم عن قتلهم وعن سبيهم، وأنزلناهم في بلاد المسلمين متفرقين لئلا يجتمعوا[9].

فتأمل عدل أهل السنة مع الرافضة، حيث نهى شيخ الإسلام السلطان عن قتلهم، وتأمل حرصه وحبه لهدايتهم، فأشار على السلطان بتفريقهم بين المسلمين، ومنع اجتماعهم في مكان واحد، ثم قارن ذلك بما يفعله الرافضة اليوم في العراق والشام من إبادة جماعية وقتل عام لأهل السنة على الهوية.

نحتاج اليوم إلى إستراتيجية دعوية لإنقاذ الشيعة من كيد الملالي وإرجاعهم إلى السنة وصرفهم عن مصادر أهل الضلال والزندقة، والتي سماها الإمام الشيعي المهتدي آية الله البرقعي أصنامًا، وطالب بكسرها، وبدأ بكبيرها وأس ضلالها الذي علمهم الكفر والزندقة، وهو كتابهم «الكافي»، كما نادى الإمام الشيعي المهتدي الآخر موسى الموسوي عموم الشيعة قائلًا: «يا شيعة العالم استيقظوا»، ثم أطلق صيحة النذير في كتابه «الصرخة الكبرى».

وتفصيل القول في هذا المنهج لا يحتمل المقام ذكره، ولكني أوجز القول في أهم أصوله ووسائله من خلال ما يلي:

أولاً: دعوتهم إلى التوحيد:

شيعة اليوم من خلال مصادرهم وواقعهم وثنيون مشركون، ولذا فإنه يتعين الأخذ بمنهج الرسل - عليهم الصلاة والسلام - في دعوتهم لأممهم، فقد كان أول دعوة الرسل ومفتتح رسالتهم هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ } [الأعراف: 59] ، وقال كل نبي لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ }[الأعراف:59، 65، 73، 85]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:63]، وهذا هو الأصل العظيم الذي تقوم عليه جميع رسالات الرسل عليهم الصلاة والسلام، يقول الإمام ابن القيم: «اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل[10].

ثانيًا: الدعوة إلى رجوعهم إلى مصادر التلقي لدى الأمة:

أخطر ما يفصل شيعة اليوم عن الدين الحق هو مصادر التلقي التي يسمونها «صحاح الإمامية» كما سماها أحد شيوخهم[11]، أو «سنة المعصومين» وفق ما نص عليه الدستور الإيراني[12]، وقد سماها شيخهم المظفر باللغز الذي يحتاج إلى بحث عن حل له وفك لرموزه[13]، وسماها الإمام البرقعي بالأصنام التي تعبد من دون الله، فرأى أن أول مراحل هدايتهم هو كسر هذه الأصنام، وبدأ بكسر أصلها وأساسها وأهمها لديهم، وهو «الكافي»، وذلك في كتابه «كسر الصنم»، كما مر.

وهذه المرحلة في غاية الأهمية، وقد فصلت القول فيها في «مسألة التقريب[14].

وملخص القول فيها يقوم على أصلين:

الأصل الأول: كشف حقيقة مصادرهم في التلقي، ويقوم على ثلاث ركائز في غاية الأهمية، وهي: أولًا: كشف حقيقة أسانيدها الموضوعة، وثانيًا: بيان حال رجالهم ومصنفي كتبهم، وثالثًا: دراسة متونها لبيان تناقضها ومخالفتها للمعقول والمنقول والأمور المعلومة بالضرورة والمتفق عليها.

الثاني: بيان عظمة مصادر السنة وعدالة رواتها والدعوة إلى اتباعها، فهي سبيل النجاة وطريق الهداية، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض»[15].

ثالثًا: الاحتجاج عليهم بالبراهين العقلية والأدلة المتفق عليها:

إقامة الحجة عليهم بالبراهين العقلية، والأدلة المعلومة الضرورية المتفق عليها، وقد سلك شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المنهج، وبينه بقوله: «نقدِّر أن الأخبار المتنازعَ فيها لم توجد، أو لم يُعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر، وما يُعلم من العقول والعادات، وما دلت عليه النصوص المتفق عليها[16]، وقال أيضًا: «فإن تركوا الرواية رأسًا أمكن أن نترك الرواية[17]، يعني: ونرجع إلى القرآن، ثم بيَّن بطلان أصل مذهبهم بصريح القرآن، وقد رجع بعض شيوخهم إلى الحق حينما رجعوا إلى كتاب الله تعالى، وتدبروا آياته مثل البرقعي، وشريعت سنكلجي وغيرهما.

وفي مؤتمر النجف أقر شيوخ الشيعة جميعًا بالحق لما أقام عليهم الحجة علامة العراق عبد الله السويدي وذلك أمام الملك نادر شاه في القرن الثاني عشر، وفي مصر عاد الناس إلى السنة أفواجًا بعد قرابة ثلاثة قرون من حكم الروافض بتأثير العلماء، ووقفة صلاح الدين الأيوبي[18]

رابعًا: بيان الحق لهم كافٍ في إبطال مذهبهم:

فإذا بين الحق عرف الباطل، وإذا قرر التوحيد وأدلته عرف الشرك وبطلانه، وإذا نشرت فضائل الصحابة ومناقبهم ومآثرهم واجتهادهم وجهادهم ومحاسنهم وتاريخهم المشرق، وما لهم من الحقوق يتبين لكل عاقل بأنه لا يقع فيهم أو في أحدهم إلا زنديق، وإذا ذكرت أصول الإيمان وأركان الإسلام يتبين أن من جاء بأصل من عنده أو بركن زائد تقليدًا لشيخه فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وبه يتقرر بطلان ما يدعون من أن أصل الدين هو الإمامة والأئمة.. وهكذا.

فإن بيان الحق لهم يتضمن أو يستلزم إبطال مذهبهم، وهذا كافٍ في بيان الحق لهم وكشف باطلهم، ولا سيما أن الملالي يوهمون أتباعهم بأن المساس بمذهبهم هو طعن في أئمتهم، وقد يحتاج الداعية للحق إلى الاقتصار على هذا المسلك، ولا سيما في المجتمعات ذات الأكثرية الشيعية، وقد يكون التلميح أبلغ من التصريح. فإذا بين لهؤلاء الرافضة الحق عرفوا حينئذ ما هم عليه من باطل، وبضدها تتميز الأشياء، والضد يُظهر حسنَه الضد.

ويمكن أن يستدل على مشروعية هذا المنهج بقوله سبحانه: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل:108]، وكما يدل عليه حديث معاذ حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن[19] بأنه سيأتي قومًا من أهل الكتاب، ثم بين منهج دعوتهم والتدرج في بيان الحق لهم، لكنه لم يأمره بمهاجمة ديانتهم، بل أمره بدعوتهم إلى التوحيد أولًا، ثم إلى بقية أركان الإسلام.

وقد حدثني العلامة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - في منزله فقال: كنت في البقيع ورأيت ما يفعله الشيعة حول القبور فاتجهت إلى دليلهم كما يعبر الشيخ، وقلت له: ألا تنهى هؤلاء عن هـذه الأعمال التي توقعهـم بالشرك بالله؟! فردَّ عليَّ قائلًا: هؤلاء عوام، والعوام لا يفهمون.

يقول الشيخ في هذه الأثناء: استوقفني أحد كبار علماء إيران ليس في العلم الشرعي ولكن في غيره، فقال لي: يا شيخ «قلت له: أيعرف أنك ابن عثيمين؟ قال: نعم»، هؤلاء (يعني الملالي) قبل الثورة ليس لهم أي قيمة، وعموم الناس اليوم ولا سيما طبقة المثقفين غير مقتنعين بما يقولـون، ثم قـال: والله يا شيخ لو وُجِّهت إليهم إذاعة بالفارسية تبين الحق للناس، ولا تهاجم المذهب لما بقى على مذهبهم أحد.

ثم طلبت من الشيخ في جلسة أخرى أن يعيدها عليَّ، وقلت له: سأرويها عنك، فأعادها عليَّ دون قوله: «ولا تهاجم المذهب».

خامسًا: محاورتهم في أصل نحلتهم:

من الأخطاء الشائعة انشغال بعض المهتمين بأمر التشيع بالردود على شبهات الروافض حول الصحابة، وهذا حرب في غير ميدان، وسقوط في الخديعة الرافضية الكبرى، ذلك أن من الحقائق الثابتة في دين الرافضة أن الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وكذلك الصحابة الذين بايعوهم لو كانوا في عصمة من كل خطأ، وسلامة من كل ظلم، وحفظ من كل ذنب، لم يكونوا في اعتقاد الرافضة إلا كافرين ومرتدين لسبب واحد عليه مدار الإيمان والكفر عندهم وهو إمامة الاثني عشر، والكفر بمن سواهم، فالخلفاء الثلاثة كفروا؛ لأنهم تولوا على المسلمين، والصحابة كفروا في اعتقادهم لأنهم بايعوهم، وهذا يقتضي تكفير أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؛ لأنه بايعهم، بل إنه - كما يقول شيخهم الشريف المرتضى -: «دخل في آرائهم، وصلَّى مقتديًا بهم، وأخذ عطيتهم، ونكح سبيهم، وأنكحهم، ودخل في الشورى»[20].

فإياك ثم إياك أن تشغل نفسك بالرد على ما ينسبونه لبعض الصحابة من مثالب ومطاعن كعثمان ومعاوية وغيرهما من الصحابة، فإن هؤلاء لو لم يقعوا في هذه الأخطاء المنسوبة لهم (حقًّا أو باطلًا) فلا يشفع لهم ذلك عند الروافض حتى يؤمنوا بالإمامة، وفي عصرنا بولاية الفقيه، فقد رووا عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عن الله عز وجل قال: «وعزتي وجلالي لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ليس من الله عز وجل، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية دانت بولاية إمام عادل من الله تعالى، وإن كانت الرعية في أعمالها طالحة سيئة»[21].

ومن رواياتهم: أن الله قال لنبيه عن ولاية أئمتهم الاثني عشر: «فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبدًا من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدًا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتهم»[22].

وما يقال عن الخلفاء والصحابة يقال في موقف الروافض من خلفاء بني أمية وبني العباس وسائر حكام المسلمين إلى أن تقوم الساعة، وموقفهم ممن بايعهم ورضى بحكمهم ودان بطاعتهم من عموم المسلمين الذين بايعوا خلفاء وحكام زمانهم.

وقد تنبه إلى هذه الحقيقة المهمة القاضي عبد الجبار فقال: «وكثيرًا تسأل الإمامية عما كان من عثمان في تولية أقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، وما ذاك إلا لضعفهم وانقطاعهم؛ لأن عثمان لو لم يولِّ أقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرًا مشركًا عندهم بادعائه الإمامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر أمير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، فمن يكلم الإمامية في إثارتهم لهذه المسائل كمن يكلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، أو يكلم النصارى في استحلالهم الخمر، وإنما يكلَّم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما أتاه من الحمى، وتولية الأقارب، ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم إلى البصرة، ولولا ذلك لكانوا مثل أبي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.

فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الأصل[23].

 سادسًا: نقد المذهب من داخله:

يوجد في تراثهـم ما يكشف حقيقة مذهبهم، ولذلك أوصى واضعو هذه النحلة بعضهم بعضًا بكتمان دينهم، فقالوا: «إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله»[24]، كما أقروا بأن أحاديثهم لا تقبلها الفطر السوية، فقالوا: «إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم»[25]، لكنهم مع هذه الوصايا فضحوا أنفسهم، وكشفوا عورات مذهبهم؛ لأنهم كما يعترفون «مبتلون بالنـَّزَق[26]، وقلة الكتمان»[27].

ذلك أن من يتأمل - مثلًا - الأصل الذي يقوم عليه دينهم اليوم، وهو أساس دولتهم ومنطلق ثورتهم ألا وهو عقيدة الغيبة، وهي خرافة كبرى يكفي مجرد عرضها لبيان بطلانها[28]، وقد رجع أكثرهم عن التشيع - كما تقول نصوصهم - في المائة الثالثة بسبب شكهم في هذه العقيدة الخرافية[29].

وقد أشار شيخهم ابن بابويه القمي إلى أنه وجد «أكثر المختلفين عليه من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم - عليه السلام - الشبهة»[30].

ومثال آخر كان أيضًا سببًا في خروج الكثير من نحلتهم، ألا وهي ظاهرة التناقض، وقد اعترف شيخهم الطوسي الملقب عندهم بشيخ الطائفة بـ«ما آلت إليه أحاديثهم من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه» واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك هذا المذهب لما انكشف له أمر هذا الاختلاف والتناقض[31].

والأمثلة في هذا الباب كثيرة[32].

سابعًا: معرفة مكائدهم لتوقيها:

معلوم أن للروافض وسائل في المكر والكيد لا تدري اليهود بعشرها، ولا تصل الشياطين إلى خبثها، ومن الضروري معرفتها على سبيل التفصيل للحذر منها[33].

ثامنًا: الاستفادة من الأعلام المهتدين:

الاستفادة من الأعلام الذين اهتدوا إل