صحة خلافة أبي بكر رضي الله عنه - مصطفى حلمي

اتفق الشيعة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على علي بن أبي طالب بعده، وأن أبا بكر أخذ الخلافة منه بغير حق، وقد حاولوا البرهان على نظريتهم بآيات قرآنية وأحاديث نبوية أولوها لتخدم هذا المعنى. ولم يقف أهل السنة مكتوفي اليدين أمام الحجج الشيعية بل قابلوها بما يضاهيها من أسانيد من هذا القبيل لإثبات صحة إمامة أبي بكر وتوليه الخلافة برضى المسلمين كافة وانعقاد الإجماع على بيعته.

ونذكر أولًا تلك الواقعة المشهورة، وهي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أثناء مرضه من أبي بكر أن يصلي بالناس، فاعتبر أهل السنة إمامة الصلاة إشارة إلى انتقال الخلافة إلى أبي بكر بعده صلى الله عليه وسلم. ولا غرو فقد اتفق السلمون كافة - سنييهم وشيعتهم - على أن الصلاة هي أهم مطالب الدين وأول أركانه العملية، بيد أن أهل السنة قاسوا الإمامة الكبرى - وهي الخلافة - على الإمامة الصغرى، وهي الصلاة، إذ ليس في أركان الإسلام بعد التوحيد أفضل من الصلاة، ويهذا فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بأن يصلي بالناس في مرضه، وقيامه بالصلاة خلفه كان قصدًا من الرسول صلى الله عليه وسلم لتنبيه السلمين إلى أن الصديق أحق بالرياسة في الدين بعده وأنه لا مطمع لأحد بعده غير الصديق(1).

وقد ربط الفكر السني بين الحديث الخاص بإمامة الصلاة وبين خلافة أبي بكر لأن قيامه بالإمامة الصغرى جعلته صالحًا ليكون صاحب الخلافة فالحديث يرتب من هم أكثر استحقاقًا لإمامة الصلاة حسب الترتيب الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه. «إذا كنتم ثلاثة فليؤمكم أكثركم قرآنًا وأقرؤكم لكتاب الله، فإن كنتم في القراءة سواء فأقدمكم هجرة، فإن كنتم في الهجرة سواء فأعلمكم بالسنة، فإن كنتم في السنة سواء فأكبركم سنًا». وعلى هذا فإن إمامة أبي بكر للمسلمين في الصلاة حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم لها دلالتها في جمعه للفضائل التي تؤهل لإمامة الصلاة كما وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم، فظهرت العبارة على لسان المسلمين في ذلك الوقت قائلين: (اختاره رسول الله لديننا فاخترناه لدنيانا)، أو قولهم: (أولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتنا فزكاتنا تبع لصلاتنا) وهما معظما أمر الدين.

وأصبحت إمامة أبي بكر للصلاة إحدى الوقائع المهمة التي يتعلق بها أهل السنة لإثبات حقه وصلاحيته للخلافة؛ لأنه لم يظهر معارض واحد حينئذ بين المسلمين يطلب منه أن يتنحى عن إمامة الصلاة (ولا قال رجل من الأنصار منا مصل ومنكم مصل، كما قالوا منا أمير ومنكم أمير، فإن كان الناس مع كثرة الخير والشر فيهم تركوا مجاراته ومدافعته في قيامه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبريزه عليهم عند أنفسهم فكفا بذلك دليلًا على الفضل ومحجة على الاستحقاق)(2).

وقد تركت إمامة الصلاة أثرها في مفهوم الإمامة الكبرى فارتبطت فكرة الخلافة بالدين لأن الصلاة أهم مطالبه، فوجب أن يكون الخليفة متوليًا لشئون الشريعة، فالتعريف السني للإمامة أنها (موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)(3).

ولئن ذهب أهل السنة بصفة عامة إلى أن خلافة أبي بكر تمت بالاختيار، إلا أن البعض منهم استدل على أن هناك نصًا على إمامته سواء أكان خفيًا أم جليًا، ويبدو أن هذا حدث كرد فعل لدعوى الشيعة بالقول بالنص على علي بن أبي طالب، فقد سئل الحسن البصري (110هـ- 728م) عما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لأبي بكر بعده، فقال: (أي والذي لا إله إلا هو استخلفه وهو كان أعلم بالله تعالى وأتقى لله تعالى من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره)(4). كما يستدل بعض أهل السنة بما كان من امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك- كأنها تريد الموت - قال إن لم تجديني فأتي أبا بكر)(5). وقد وجد ابن حزم (456 هـ- 1063م) في هذا الخبر نصًا جليًا على استخلاف أبي بكر، ويضيف إليه نصين آخرين يراهما دليلًا على الاستخلاف. أولهما: إجماع المسلمين الأوائل جميعًا على تسميتهم أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه، ويرى ابن حزم أن الذين سموه بهذا الاسم هم الذين قال الله تعالى فيهم: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحشر: 8]، وقد اتفقوا مع إخوانهم الأنصار في إطلاق هذا الاسم على أبي بكر، وهم لم يقصدوا به خلافته على الصلاة لسببين: أولهما: لأن أبا بكر لا يستحق هذا الاسم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والسبب الثاني: أنه لم يستحق أحد ممن استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته كعلي في غزوة تبوك، وابن أم مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع، وغيرهم، إذ لم يسمى أحد منهم خليفة رسول الله 0فصح يقينًا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها للخلافة) (6).

أما النص الثاني فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة أثناء مرضه، لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابًا وأعهد عهدًا لكيلا يقول قائل: أنا أحق أو يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر(7).

ويذهب الرازي إلى أن أصحاب الحديث وجدوا في طلب الرسول صلى الله عليه وسلم إحضار دواء وقرطاس ليكتب لأبي بكر- نصًا جليًا في إمامته(8).

 

أما الأشعري فإنه لم ير النص على خلافة أبي بكر وإنما يورد الدلائل على صحة إمامته من واقع الكتاب. فالآيات القرآنية التي تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة براءة في مثل قوله تعالى: { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } [التوبة: 83]، إلى غيرها من الآيات التي تحض على القتال بواسطة داع يدعو المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف المفسرون في تسمية القوم الذين ذكرتهم هذه الآيات، فمنهم من يرى أن القصد هم فارس والروم وآخرون يرون أنهم أهل اليمامة، ويرى الأشعري إنه إن صح هذا التفسير أو ذاك فإن أبا بكر حارب كلا الفريقين وجاءت حروبه لهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (فإن كانوا أهل اليمامة هم الروم فقد قاتلهم أبو بكر - رضي الله عنه - وفي ذلك إيجاب إمامته. وإن كانوا فارس فقد قوتلوا في أيامه، وفرغ عمر منهم من بعده فقد وجبت إمامة عمر، وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر - رضى الله عنهما - لأن أبا بكر عقدها له)(9).

أما الكتاب الذي كان ينوي كتابته الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تعددت الآراء حوله واختلفت وجهات النظر، ويتناقل أهل السنة ما جاء على لسان علي بن أبي طالب حين رفض طلب العباس أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته فيمن يل الأمر إذ قال علي: (أنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم)(10).

ولعل في محاولة أهل السنة إثبات هذه الواقعة يحمل في طياته نفيهم القاطع لوجود النص على إمامة علي، وبالتالي تقويض أساس المذهب الشيعي في الإمامة وإحلال نظريتهم في القول باختيار الإمام محلها.

وتنقل لنا المصادر السنية أنه حدث اختلاف أثناء مرض الرسول صلى الله عليه وسلم في موجوب تنفيذ رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم أو الامتناع عن ذلك إشفاقًا عليه من المعاناة في كتابة هذا الكتاب وهو طريح الفراش. ولسان حالهم يقول: (عندكم القرآن حسبنا كتاب الله)، فلما زاد اختلافهم ولغطهم أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمغادرة المكان. ويعلق على ذلك ابن عباس بقوله: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم)(11).

ويستنتج ابن خلدون من هذه الحادثة أن أمر الإمامة لم يكن مهمًا لأن الإمامة من المصالح العامة المفوضة إلى المسلمين كافة، ولم يستخلف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها أقل أهمية من الصلاة، فإن إمامة الصلاة تأتي في المرتبة الأولى قبل الاستخلاف، ولهذا السبب استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في الإمامة بقولهم: (ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟)، ويؤكد ابن خلدون ذلك بقوله: (فلولا أن الصلاة أرفع شأنًا وأكثر خطرًا من السياسة لما صح القياس)(12).

أما ابن تيمية فقد زاد على ذلك بما يراه من أن الإمامة ليست أهم مطالب الدين، بخلاف ما يراه الشيعة، ويقيم رأيه على عدة براهين منها:

أولًا: أن الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان أهم من مسألة الإمامة، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بأن يقاتل الكفار حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.

ثانيًا: لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الإمامة لأحد من الناس حين كان يدعوهم إلى الإسلام.

ثالثًا: إن كانت كذلك - أي كما يعتقد الشيعة - فكان من الواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبينها كما بين للمسلمين أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات الدينية، وكما عين أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر.

رابعًا: إن أهم أمر في الدين هو الصلاة والجهاد، وليست الإمارة، لكثرة الآيات القرآنية والأحاديث المتعلقة يهما، والتي تحث عليهما، وتعتبرهما أهم الفروض على الإطلاق(13).

ويقول ابن تيمية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الشك قد وقع علم أن الكتاب لا يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه)(14).

كما نجد تفسيرا حديثًا لسبب عدم استخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم يرجعه إلى خشيته صلوات الله عليه من ظن المسلمين أن من استخلفه قد استمد الأمر على المسلمين بوحي من الله(15).

وقد فند الدكتور الريس آراء اثنين من المستشرقين هما: (فيرث وأرنولد) إذ يرى الأول أن مرض الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب، بينما ذهب الثاني(16) إلى أن السبب يرجع إلى عدم رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة التقاليد العربية التي كانت متبعة في عصره، ومنها أن القبيلة كانت تترك حرة لتختار من يحميها. وينقض الدكتور الريس هذين الاستنتاجين لسببين:

الأول: لم يقم مانع من خلال السنين السابقة على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لكتابة ذلك الكتاب كما لم يكن المرض من الشدة بحيث يعوقه عن الكتابة فيما لو أراد.

الثاني: لم يكن هناك تقليد واحد معين للقبائل العربية قبل الإسلام، بل اختلفوا في تقاليدهم وعاداتهم فضلًا عن أن الإسلام قد محاها وحلت الرابطة الدينية محلها.

وبمعارضة هذين الرأيين، يقيم الدكتور الريس رأيه على أساس جديد، وهو أن هناك حكمة من عدم تقييد الجماعة الإسلامية بقوانين جامدة لا تتفق مع التطورات إذ أن المشرع (حرص أن تظل القوانين الإسلامية مرنة حتى تعطي مرونتها الفرصة للعقل للتفكير وللجماعة أن تشكل نظمها وأوضاعها بحسب المصالح المتعددة) (17). وسنجد عند تناولنا لهذه الناحية من موضوع الإمامة - أي نقض فكرة النص التي يذهب إليها الشيعة - أن أهل السنة تخلصوا من كل ما من شأنه أن يجعل من هذا الموضوع قيدًا للمسلمين كما فعل الشيعة بعقائدهم عن أمثال فكرة النص أو الوصية أو العصمة.

ويتفق الشيخ أبو زهرة أيضًا فيما ذهب إليه الدكتور الريس لأن الإسلام في رأيه يقوم على أصول ثلاثة هي: العدالة والشورى والطاعة في طاعة الله، وبذلك استوفت الشريعة الدعائم التي يقوم عليها الحكم الإسلامي ولا ضرورة لتعيين النبي صلى الله عليه وسلم طريقا محددًا لاختلاف الشعوب ونظمها) (18).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أبو بكر محمد بن حاتم بن رنجويه. الروض الأنيق في إثبات إمامة أبي بكر الصديق، ورقة رقم 39 مخطوط، سنة 743 هـ- 1342م بمكتبة بلدية الإسكندرية رقم 3603 ج).

(2) ابن زنجويه. الروض الأنيق، ورقة 39.

(3) الماوردي. الأحكام السلطانية، ص 2.

(4) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج 1، ص 4.

(5) المصدر السابق، ص 5.

(6) ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 108.

(7) نفس المصدر، والصفحة.

(8) أبو عبد الله محمد بن الحسين الخطب الرازي. نهاية العقول في دراية الأصول، مخطوط، ورقة 244.

(9) الأشعري، اللمع، ص 184. كما استشهد لهذه الآيات أيضًا الباقلاني في كنابه (الإنصاف) ص 56، 57، ويتفق معهما في التفسير القاضي عبد الجبار في كتابه (المغني) ج. 2 القسم الأول، ص 324، 325.

(10) ابن هشام، السيرة القسم الأول، ص 654، صحيح البخاري ج 3، ص 67.

(11) صحيح البخاري، ج 3، ص 60.

(12) مقدمة ابن خلدون، ص 219.

(13) ابن تيمية، منهاج السنة، ج 1، ص 16 وما بعدها، والسياسة الشرعية، ص 20، وما بعدها.

(14) ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 135.

(15) دكتور محمد حسين هيكل، الفاروق عمر، ج 1، ص 89.

(16) T.W.Arnold Caliphate.

(17) دكتور الريس، النظريات السياسية، ص 21.

(18) الشيخ محمد أبو زهرة، المذاهب الإسلامية، ص 38 وما بعدها.

المصدر: شبكة الألوكة.