ما الحكمة من عدم تولية النبي لخليفة بعده ؟ رأفت مصطفى عليوة

إن عدمَ استخلافِ النَّبيِّ لَهو أمرٌ طبيعيٌّ بدَهيٌّ، ودليل واضح جليٌّ على ثقة النبي صلى الله عليه وسلم برجاحةِ عقولِ أمَّتِه، وقد تأكَّد هذا باختيارِها الصاحبَ الزَّكيَّ النَّديَّ - الذى زكَّاه ربُّ الَّنبيِّ والنَّبيُّ في كل أعماله - وتقديمِها له، فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يثِق بعقولِ الرِّجال الذين اختارهم اللهُ، وأوحى إليه بتربيتِهم، فربَّاهم تربيةً ربَّانيَّةً على خيرِ ما يكون الرجالُ أدبًا وخُلقًا وعقلًا - أنهم لن يختاروا إلا ما يُرضِي اللهَ ورسولَه؛ فهُمُ الذين جالسوه، وأعلمُ الناس بكلامِه صلى الله عليه وسلم، وأحفظُهم له، وأعلمُهم بمن يُقدَّمُ في أمَّتِه ومن يُؤخَّر، وقد جاءت الأدلَّةُ واضحةً، ويشهد التَّاريخُ بشهادةِ المُنصِفين من أهل التدوين والمؤرِّخين حتى من غيرِ المسلمين - على حُسنِ قيادتِهم بحُسنِ الخُلُق، ورَجَاحة العقل، وملازمة العمل بما عرَفوا وتعلَّموا من رسولِهم الكريمِ صلى الله عليه وسلم، وكلُّ هذه الأمور ترجع لحسن الإيمان بالعليِّ القدير، والعملِ بالتنزيل.

 

وإذا كان لا بدَّ أن يختارَ النبي الخليفةَ من بعده لزمانٍ هو الذي ربَّى رجالَه وعلَّمَهم، فكيف يكون الأمر من بعد هذا الزمان؟ أظنُّ الأَولَى أن يختار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جميعَ الخلفاء في الأمَّة إلى قيامِ الساعة! ولكن لم يفعلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا؛ لأنه - صلواتُ ربي عليه وتسليماته، ورحمته وبركاته - أمينُ الأرض على وحي السماء، لا يزايدُ على الحقيقة، ولا يدَّعي ما ليس له بحقٍّ؛ فهو لا يعلم الغيبَ إلَّا ما أخبره علامُ الغُيوبِ ليقيمَ الحُجَّةَ على الخَلْق ببيان دعوةِ الحقِّ، وإذا صحَّ لأحدٍ من الأمَّة في أيِّ زمانٍ بعدَه أن يختار، فلخيرُ القرون أصلحُ، ولو عجَزت الأمَّةُ في الزمان الأول عن اختيار القائد، لم تكن جديرةً بقيادةِ غيرِها، ولا أدري لماذا المُغالطاتُ، والتاريخُ شاهدٌ - كما قلت - على حكمةِ وأمانة ودين أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فمن السخيفِ أن يَضيع الوقتُ مع من يعرِف أني أعرِف أنه لا يكذِّب الحقَّ؛ لكن يحاولُ أن يضلِّلَ عليه! كما يعلم تمامَ العلم أن ما يقوله لا يدخل على صاحبِ عقل؛ لذلك فهو يُخْفيه بقدرِ المُستطَاع، إلا أن اللهَ الحليم قد فضحهم بألسنتِهم أنفسِهم؛ فسقطوا في حَرَجٍ شديد بهذه الفَضِيحة، وتمنَّوا أنْ لو كانوا مثلَ فِرعونَ بعد أن ضيَّق عليه موسى عليه السلام بالحُجَّة والبرهان، فلم يجدْ بُدًّا منَ التهديدِ والوعيدِ بالسَّجْن والتشريد ﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 28، 299]، وهكذا عندما يَعجِز أهلُ الأباطيل والأساطير، ويُفيقُ الأتْباعُ من قَيد الاتِّباعِ الذي لا يقوم على حُجَّةٍ أو دليلٍ.

أسأل اللهَ أن يهديَنا ويهديَ جميعَ الناس للحقِّ المبين