علي رضي الله عنه في عهد الفاروق - د. علي بن محمد الصلابي

كان علي رضي الله عنه عضوًا بارزًا في مجلس شورى الدولة العمرية، بل كان هو المستشار الأول، فقد كان عمر رضي الله عنه يعرف لعلي فضله، وفقهه، وحكمته، وكان رأيه فيه حسنًا، فقد ثبت قوله فيه: أقضانا على[1]، وقال ابن الجوزي: كان أبو بكر وعمر يشاورانه، وكان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن[2]، وقال مسروق: كان الناس يأخذون عن ستة: عمر وعلى وعبد الله وأبي موسى وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وقال: شاممت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر: عمر وعلى وعبد الله وأبي الدرداء وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين منهم: إلى على، وعبد الله[3]، وقال أيضًا: انتهى العلم إلى ثلاثة، عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة على بن أبي طالب، وعالم الكوفة عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق، عالم المدينة ولم يسألهما[4]، فكان على من هؤلاء المقربين، يشد من أزر أخيه، ولا يبخل عليه برأيه، ويجتهد معه في إيجاد حلول للقضايا، التي لم يرد فيها نص، وفي تنظيم أمور الدولة الفتية، والشواهد على ذلك كثيرة، نذكر منها:

أولاً: في الأمور القضائية:

1- امرأة تعتريها نوبات من الجنون: عن أبي ظبيان الجنبي: أن عمر بن الخطاب أتى بامرأة قد زنت، فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم على رضي الله عنه، فقال: ما هذه؟ قالوا: زنت فأمر عمر برجمها، فانتزعها على من أيديهم وردهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: ما ردكم؟ قالوا: ردنا على، قال: ما فعل هذا علىّ إلا لشيء قد علمه، فأرسل إلى على، فجاء وهو شبه المغضب، فقال: مالك رَدَدْتَ هؤلاء؟ قال: أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم «يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلي حتى يعقل؟» قال: بلى، قال علىّ: فإن هذه مبتلاة بنى فلان، فلعله أتاها وهو بها، فقال عمر: لا أدرى، فلم يرجمها[5]، فقد كان عمر لا يعلم أنه مجنونة.

 

2- مضاعفة الحد لمن شرب الخمر: أخذ عمر برأي على رضي الله عنهما في مضاعفة الحد لمن شرب الخمر، وذلك لانتشار شرب الخمر وخاصة في البلاد المفتوحة، وهي حديثة العهد بالإسلام، فأشار علىّ على عمر رضي الله عنهما بأن يجلد فيها ثمانين، كأخف الحدود، وعلل ذلك بقوله: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون[6]، وقد ثبت عن على رضي الله عنه أنه قال: ما كنت أقيم حدًا على أحد، فيموت، وأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه.[7]وأوَّل البيهقي قوله: (لم يسنه) زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط وقد سنه بالنعال وأطراف الثياب مقدار أربعين والله أعلم[8]، وقد استنبط الفقهاء من أفعال الخلفاء الراشدين مقدار الحد في الخمر، على قول مالك والثوري وأبي حنيفة ومن تبعهم ثمانون، لإجماع الصحابة، ومن قال إن الحد أربعون: أبو بكر، والشافعي، وقول لأحمد، وتحمل الزيادة على ذلك من عمر، رضي الله عنه، على أنها تعزيز يجوز فعله إذا رآه الإمام، وهذا هو القول الصحيح للشافعي[9]، وهذا الرأي مال إليه ابن تيمية أيضا وقال: .. فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب، فتكفي الأربعون[10].

 

3- لا سلطان لك على ما في بطنها: أتى عمر رضي الله بامرأة حامل فسألها عمر فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر ترجم، فلقيها علىّ فقال: ما بال هذه؟ فقالوا: أمر بها، أمير المؤمنين أن ترجم، فردها على فقال: أأمرت بها أن ترجم؟ قال: نعم، اعترفت عندي بالفجور! قال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟ قال على: فلعلك انتهرتها[11]، أو أخفتها؟ قال: قد كان ذاك، قال: أو ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لاحد على معترف بعد بلاء، أنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له» فخلى عمر سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن تلد مثل على بن أبي طالب، لولا على لهلك عمر[12].

 

وقد علق ابن تيمية على هذه القصة: إن هذه القصة إن كانت صحيحة، فلا تخلو من أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل، فأخبره على بحملها، ولا ريب أن الأصل عدم العلم، والإمام إذا لم يعلم أن المستحقة للقتل أو الرجم حامل، فعرفه بعض الناس بحالها، كان هذا من جملة إخباره بأحوال الناس... إلى أن قال عن عمر، يعطي الحقوق ويقيم الحدود ويحكم بين الناس كلهم، وفي زمنه انتشر الإسلام وظهر ظهورًا لم يكن قبله مثله، وهو دائمًا يقضي ويفتي ولولا كثرة علمه لم يطق ذلك، فإذا خفيت عليه قضية من مائة ألف قضية ثم عرفها أو كان نسيها فذكرها فأي عيب في ذلك؟[13]وكان رده هذا في سياق رده على الروافض.

 

4- ردوا الجهالات إلى السنة: أتى عمر بامرأة أنكحت في عدتها ففرق بينهما وجعل صداقها في بيت المال وقال: لا أجيز مهرًا رد نكاحه، وقال: لا تجتمعان أبدًا، فبلغ ذلك عليًا فقال: وإن كانوا جهلوا السنة لها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما، فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب، فخطب عمر الناس فقال: ردوا الجهالات إلى السنة، ورجع عمر إلى قول على[14].

 

5- هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي: قال جعفر بن محمد: أتى عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار وكانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة، فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذها ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله، فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المنى، فهم بعقوبة الشاب، فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمرى، فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر على إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه، وذاقه، فعرف طعم البيض، وزجر المرأة فاعترفت[15].

 

ونستخلص من هذه الواقعة بعض الدروس:

(أ) أن وسائل الإثبات في القضاء الإسلامي كانت تشمل الإقرار والشهادة واليمين والنكول.. وتتسع لتشمل الأمارات والفراسة.

(ب) اهتمام عمر بمشاورة كبار الصحابة في النوازل، وعلى الخصوص على، رضي الله عنهما الذي كانت منزلته عنده متميزة[16].

 

ثانيًا: علي رضي الله عنه والتنظيمات المالية والإدارية العمرية:

1- في الأمور المالية:

(أ) نفقات الخليفة: لما ولي عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد أبي بكر مكث زمانًا، لا يأكل من بيت المال شيئًا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، ولم يعد يكفيه ما يربحه من تجارته، لأنه اشتغل عنها بأمور الرعية، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشارهم في ذلك فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي فيه؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم، وقال ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وقال عمر لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك، وقد بين عمر حظه من بيت المال فقال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف[17].

 

(ب) رأي علي في أرض السواد بالعراق: لما فتحت أرض السواد بالعراق عنوة، أشار عدد من الصحابة –رضوان الله عليهم- على عمر بتقسيمهم بين الفاتحين، ولكن لسعة الأرض وجودتها، ونظرة عمر البعيدة لمن سيأتي بعد ذلك، لم يطمئن عمر لتقسيمها، فاستشار عليًا في ذلك فكان رأيه موافقًا لرأي الخليفة عمر ألا تقسم فأخذ برأيه وقال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر[18].

 

(ج) لا جرم لتقسمنه: أتى عمر بمال فقسمه بين المسلمين، وفضلت منه فضله، فاستشار فيها الصحابة، فقالوا له: لو تركته لنائبة إن كانت، وفي القوم على ساكت، فأراد عمر أن يسمع رأي على في ذلك، فذكره على بحديث مال البحرين حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قسمه كله، فقال عمر لعلي: لا جرم لتقسمنه، فقسمه على[19]، ويبدو أن هذا كان قبل تقسيم الدواوين[20].

 

2- علي رضي الله عنه والأمور الإدارية:

عندما احتاج عمر رضي الله عنه أن يضع تاريخًا رسميًا ثابتًا لتنظيم أمور الدولة وضبطها، جمع الناس وسألهم: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال على رضي الله عنه: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك، ففعله عمر[21]، وقد كان عمر – رضي الله عنه – يراه من أفضل من يقود الناسن فقد ورد عنه أنه كان يناجي رجلاً من الأنصار، فقال: من تحدثون أنه يستخلف من بعدي؟ فعد الأنصاري المهاجرين ولم يذكر عليًا، فقال عمر: فأين أنتم من على؟ فوالله لو استخلفتموه، لأقامكم على الحق وإن كرهتموه[22]. وقال لابنه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – بعد أن طعن: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق[23].

 

3- استخلف عمر عليًا على المدينة مرارًا:

(أ) استخلافه حين خرج عمر إلى ماء صراء فعسكر فيه: وذلك قبيل القادسية وكان الفرس قد حشدوا للمسلمين، فجمع عمر الناس فاستشارهم فكلهم أشار عليه بالميسر[24].

 

(ب) استخلافه عند نزول عمر بالجابية: وذلك حين نزل عمرو بن العاص أجنادين، فكتب إليه أرطبون الروم، والله لا تفتح من فلسطين شيئًا بعد أجنادين، فارجع لا تغر، وإنما صاحب الفتح رجل اسمه على ثلاثة أحرف، فعلم عمرو أنه عمر، فكتب يعلمه أن الفتح مدخر له، فنادى له الناس، واستخلف على بن أبي طالب[25].

 

(ج) استخلاف على حين حج عمر بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: وهى آخر حجة حجها بالناس كانت سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان مع أمهات المؤمنين أولياؤهن ممن لا يحتجبن منه، وخلف على المدينة على بن أبي طالب[26].

 

ثالثًا: استشارة عمر لعلي رضي الله عنهما في أمور الجهاد وشئون الدولة:

كان علي رضي الله عنه المستشار الأول لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكان عمر يستشيره في الأمور الكبيرة منها والصغيرة، وقد استشاره حين فتح المسلمون بيت المقدس، وحين فتحت المدائن، وعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند وقتال الفرس، وحين أراد أن يخرج لقتال الروم، وفي وضع التقويم الهجري وغير ذلك من الأمور[27]، وكان على رضي الله عنه طيلة حياة عمر مستشارًا ناصحًا لعمر، محبًا له خائفًا عليه، وكان عمر يحب عليًا وكانت بينهما مودة ومحبة وثقة متبادلة، ومع ذلك يأبي أعداء الإسلام إلا أن يزوروا التاريخ، ويقصوا بعض الروايات التي تناسب أمزجتهم ومشاربهم ليصورا لنا فترة الخلفاء الراشدين عبارة عن أن كل واحد منهم كان يتربص بالآخر الدوائر لينقض عليه، وكل أمورهم كانت تجري من وراء الكواليس[28].

 

إن من أبرز ما يلاحظه المتأمل في خلافة عمر تلك الخصوصية في العلاقة، وذلك التعاون المتميز الصافي، بين عمر وعلى، رضي الله عنهما، فقد كان على هو المستشار الأول لعمر في سائر القضايا والمشكلات، وما اقترح علىّ عمر رأيًا إلا واتجه عمر إلى تنفيذه عن قناعة، وكان على رضي الله عنه يمحضه النصح في كل شئونه وأحواله[29]، فمثلاً عندما تجمع الفرس بنهاوند في جمع عظيم لحرب المسلمين جمع عمر- رضي الله عنه – الناس واستشارهم في المسير إليهم بنفسه، فأشار عليه عامة الناس بذلك، فقام إليه على – رضي الله عنه- فقال: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإنك إن أشخصت أهل اليمن إلى ذراريهم من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن أشخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة، فليتفرقوا ثلاث فرق، فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا: هذا أمير العرب وأصلها، فكان ذلك أشد لكلبهم عليك، وأما ما ذكرت من مسير القوم، فإن الله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن بالنصر، فقال عمر: هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه[30].

 

كانت نصيحة على نصيحة المحب لعمر الغيور عليه، والضنين ألا يذهب، وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه، وحذره من أنه إذا ذهب، فلسوف ينشأ وراءه من الثغرات ما هو أخطر من العدو الذي سيواجهه، أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن أن الخلافة من بعده لعلي، أفكان لعلي أن يرغب عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وأن يؤيد المستلبين لحقه بل لواجبه في الخلافة بمثل هذا التعاون المخلص البناء؟ بل أفكان للصحابة، رضوان الله عليهم، كلهم أن يضيعوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل أفكان من المتصور أن يجمعوا وفي مقدمتهم على رضوان الله عليه على ذلك؟ بوسعنا أن نعلم إذن بكل بداهة، أن المسلمين إلى هذا العهد – نهاية عهد عمر – بل إلى نهاية عهد على كانوا جماعة واحدة، ولم يكن في ذهن أي من المسلمين أي إشكال بشأن الخلافة، أو شأن من هو أحق بها[31].

 

إن كثرة مشاورة عمر لعلي، رضي الله عنهما، وغيره من الصحابة، لا يعني هذا أنه دونهم في الفقه والعلم، فقد بينت الأحاديث الصحيحة التي تدل على علو علمه، واكتمال دينه، ولكن إيمانه وحبه للشورى، وتعويده للحكام فيما بعد على المشاورة، وعدم الاستبداد بالأمر والراي، وإلا فإن عليًا رضي الله عنه كان كثيرًا ما يرجع عن رأيه إلى رأي عمر[32]، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها في معرض حديثها عن عمر قولها: وقد كان على رضي الله عنه يتابع عمر بن الخطاب، فيما يذهب إليه ويراه، مع كثرة استشارته عليًا، حتى قال على رضي الله عنه: يشاورني عمر في كذا، فرأيت كذا، ورأي هو كذا، فلم أر إلا متابعة عمر[33].

 

رابعًا: علي رضي الله عنه وأولاده وعلاقتهم بعمر رضي الله عنهم:

كان عمر رضي الله عنه شديد الإكرام لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثارهم على أبنائه وأسرته، تذكر من ذلك بعض المواقف:

1- أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر: جاء فيما رواه الحسين بن على رضي الله عنه: أن عمر قال لي ذات يوم: أي بنى لو جعلت تأتينا وتغشانا؟ فجئت يومًا وهو خال بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت فلقيني بعد، فقال: يا بنى لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع، فرجعت، فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنما أنت في رؤوسنا ما ترى: الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه[34].

 

2- والله ما هنأ لي ما كسوتكم: روى ابن سعد عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه على ابن الحسين، قال: قدم على عمر حلل من اليمن، فكسا الناس فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون له، فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنها يتخطيان الناس، ليس عليها من تلك الحلل شيء، وعمر قاطب صار بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم، قالوا: يا أمير المؤمنين، كسوت رعيتك فأحسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس وليس عليهما من شيء كبرت عنهما وصغرا عنها، ثم كتب إلى والي اليمن أن ابعث بحلتين لحسن وحسين، وعجَّل، فبعث إليه بحلتين فكساهما[35].

 

3- تقديم بنى هاشم في العطاء: عن أبي جعفر أنه لما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، وجمع ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابدأ بنفسك، فقال: لا والله بالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بنى هاشم رهط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرض للعباس، ثم لعلي، حتى والى بين خمس قبائل، حتى انتهى إلى بنى عدى بن كعب، فكتب: من شهد بدرًا من بنى هاشم، ثم من شهد بدرًا من بنى أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض الأعطيات لهم وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله[36].

 

4- كساني هذا الثوب أخي وخليلي: خرج على وعليه برد عدني فقال: كساني هذا الثوب أخي وخليلي وصفيى وصديقي أمير المؤمنين عمر[37]. وفي رواية عن أبي السفر قال: رئُي على على بن أبي طالب رضي الله عنه برد كان يكثر لبسه قال: فقيل: يا أمير المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال: نعم، إن هذا كسانيه خليلي وصفيى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ناصح الله فنصحه، ثم بكى[38].

 

5- أقطاع ينبع: أقطع عمر بن الخطاب عليًا ينبع، ثم اشترى على إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينًا، فبينما هم يعملون فيها إذ تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتى على وبشر فتصدق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله ليوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ليصرف الله تعالى بها وجهه عن النار ويصرف النار عن وجهه، وكتب في صدقته: هذا ما أمر به على بن أبي طالب وقضى في ماله: إني تصدقت بينبع ووادي القرى والأذنية وراعة في سبيل الله ووجهه، أبتغى مرضاة الله، ينفق منها في كل منفعة في سبيل الله ووجهه، وفي الحرب والسلم والجنود وذوى الرحم القريب والبعيد، لا يباع ولا يوهب ولا يورث حيًا أنا أو ميتًا، أبتغى بذلك وجه الله والدار الاخرة، ولا أبتغى إلا الله عز وجل، فإنه يقبلها وهو يرثها وهو خير الوارثين، فذلك الذي قضيت فيها بينى وبين الله عز وجل[39].

 

6- لتقولن يا أبا حسن: اجتمع عند عمر جماعة من قريش فيهم على فتذكروا الشرف، وعلى ساكت فقال عمر: مالك يا أبا الحسن ساكتًا؟ فكأن عليًا كره الكلام، فقال عمر: لتقولن يا أبا الحسن، فقال على:

 

 
في كل معترك تزيل سيوفنا 
                    فيها الجماجم عن فراخ الهام[40] 
الله أكرمنا بنصر نبيه 
                   وبنا أعز شرائع الإسلام 
ويزورنا جبريل في أبياتنا 
                    بفرائض الإسلام والأحكام[41]


7- حوار بين أمير المؤمنين عمر وعلى حول الرؤيا: قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال، فتكون رؤياه كأخذ اليد، ويرى الرجل الشيء، فلا تكون رؤياه شيئًا، فقال على بين أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول[42]: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزمر: 422]. 

 

خامسًا: زواج عمر من أم كلثوم بنت على بن أبي طالب:

زوج على بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم من الفاروق حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه بما يطلب، وثقة فيه وإقرارًا لفضله ومناقبة، واعترافًا بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهارًا بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء الأمة المجيدة، ويرغم أنوفهم[43]، فقد كان عمر يكن لأهل البيت محبة خاصة لا يكنها لغيرهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكرام أهل البيت ورعاية حقوقهم، فمن هذا الباعث خطب عمر أم كلثوم ابنة على وفاطمة رضوان الله عليهم وتودد إليه في ذلك قائلاً: فوالله ما على الأراض رجل يرصد من حسن صحبتها ما أرصد، فقال على: قد فعلت، فأقبل عمر إلى المهاجرين، وهو مسرور قائلاً: رفئوني..ثم ذكر أن سبب زواجه منها ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي»، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب[44]، ولقد أقر بهذا الزواج كل أهل التاريخ والأنساب وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم، ولقد أورد الشيخ إحسان إلهي ظهير روايات بخصوص ذلك في كتابه الشيعة والسنة[45]، ولقد ذكر هذا الزواج علماء أهل السنة في التاريخ وأجمعت مصادرهم عليه، ومن العلماء الذين ذكروا هذا الزواج: الطبري[46]، وابن كثير[47]، والذهبي[48]، وابن الجوزي[49] والدياربكرى[50]، وقد ذكر هذا[51]الزواج في كتب التراجم، كابن حجر[52]، وابن سعد[53]، وأسد الغابة، وقد قام الأستاذ أبو معاذ الإسماعيلي في كتابه زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت على بن أبي طالب رضي الله عنهما حقيقة وليس افتراء، بتتبع مراجع مصادر الشيعة وأهل السنة فيما يتعلق بهذا الزواج ورد على الشبهات التي ألصقت بهذا الزواج الميمون، وقد ذكرت شيئًا من سيرتها ومواقفها في حياتها في عهد الفاروق في كتابي (فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، شخصيته وعصره).

 

هذا وقد ولدت أم كلثوم بنت على من عمر رضي الله عنه ابنة سميت (رقية) وولدًا سمته زيدًا، وقد روى أصحاب زيد أن زيد بن عمر حضر مشاجرة في قوم من بنى عدى بن كعب ليلا فخرج إليهم زيد بن عمر ليصلحهم فأصابته ضربة شجت رأسه ومات من فوره، وحزنت أمه لقتله ووقعت مغشيًا عليها من الحزن فماتت من ساعتها، ودفنت أم كلثوم وابنها زيد بن عمر في وقت واحد، وصلى عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، قدمه الحسن ابن على بن أبي طالب وصلى خلفه[54].

 

سادسًا: يا بنت رسول الله ما أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك، وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك:

عن أسلم العدوي قال: لما بويع لأبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان على والزبير بن العوام يدخلان على فاطمة فيشاورانها، فبلغ عمر، فدخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله ما أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك، وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك، وكلمها، فدخل على والزبير على فاطمة فقالت: انصرفا راشدين، فما رجعا إليها حتى بايعا[55]، وهذا هو الثابت الصحيح والذي مع صحة سنده ينسجم مع روح ذلك الجيل وتزكية الله له. وقد زاد الروافض في هذه الرواية واختلفوا إفكا وبهتانًا وزورًا، وقالوا إن عمر قال: إذا اجتمع عندك هؤلاء النفر ان لأُحرقنَّ عليهم هذا البيت، لأنهم أرادوا شق عصا المسلمين بتأخرهم عن البيعة، ثم خرج عنها، فلم يلبث أن عادوا إليها، فقالت لهم: تعلمون أن عمر جاءني وحلف بالله لئن أنتم عدتم إلى هذا البيت ليحرقنه عليكم، وايم الله إنه ليصدقن فيما حلف عليه، فانصرفوا عني فلا ترجعوا إلىَّ ففعلوا ذلك، ولم يرجعوا إليها إلا بعدما بايعوا[56]. وهذه القصة لم تثبت عن عمر رضي الله عنه، ودعوى أن عمر رضي الله عنه هم بإحراق بيت فاطمة، من أكاذيب الرافضة، أعداء صحابة رسول الله، وقد أوردها مع أكاذيب أخرى الطبري في كتابه دلائل الإمامة[57]، عن جابر الجعفي، وهو رافضي كذاب باتفاق أئمة الحديث كما في الميزان[58]للذهبي، وتهذيب التهذيب[59]، وزعم بعض الروافض أن عمر ضرب فاطمة حتى أسقط ولدها محسنًا وهو في بطنها، وهذه من الأكاذيب الرافضة التي لا أساس لها من الصحة، وما علموا أنهم يطعنون في على رضي الله عنه، وذلك باتهامه بالجبن والسكوت عن عمر وهو من أشجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [60]، بل إن بعض كتب الروافض أنكر صحة هذا الهذيان والزور[61]علمًا بأن محسنًا ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك بالرواية الصحيحة.

 

سابعًا: الخلاف بين العباس وعلى وحكم عمر رضي الله عنهم بينهما:

قال مالك بن أوس: بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار[62]، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى دخلت على عمر، فإذا هو جالس على رمال[63]سرير ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلمت عليه ثم جلست، فقال: يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص، يستأذنونك؟ قال: نعم فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا، ثم قال: هل لك في علىّ وعباس؟ قال: نعم فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من مال بنى النضير، فقال الرهط – عثمان وأصحابه-: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر قال عمر: تيدكم[64]، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة»، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علىّ، وعباس، فقال: أنشدكما بالله أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الحشر: 66]. فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووالله ما احتازها دونكم، ولا أستأثر بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثها فيكم، حتى بقى منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مال الله، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته، أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا وليُّ أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركم واحد، جئتنى يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا «يريد عليًا» يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة» فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكم بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتلتمسان مني غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها إلىَّ، فإني أكفيكماها[65].

 

ثامنًا: ترشيح عمر عليًا للخلافة مع أهل الشورى وما قاله على في عمر بعد استشهاده:

1- ترشيح على مع أهل الشورى: لما طُعن عمر رضي الله عنه وظن أنه سيفارق الحياة، وأخذ المسلمون يدخلون عليه، ويقولون له: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، فقال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر – أو الرهط- الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليًا، وعثمان، والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن[66]، ثم دعا خاصتهم وهم عبد الرحمن، وعثمان، وعلى فوعظهم[67]، إن عمر رضي الله عنه إمام وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين، فاجتهد في ذلك ورأى أن الستة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض أحق من غيرهم، وهو كما رأى، فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحق منهم، وجعل التعيين إليهم خوفًا أن يعين واحدًا منهم، ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون أحدًا منهم، وهذا اجتهاد إمام عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه، وهو نموذج واقعي لتطبيق قول الله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38] وقال:  ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، فكان ما فعله من الشورى مصلحة[68].

 

إن الفاروق رضي الله عنه رأى الأمر في الستة متقاربًا فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى أنه إذا عين واحدًا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوبًا إليه، فترك التعيين خوفًا من الله تعالى، وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين، بين تعيينهم إذ لا أحق منهم، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان، فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة[69]، ولا يقال إنه بجعله الأمر شورى بين الستة قد خالف به من تقدمه كما هو زعم الشيعة الرافضة، لأن الخلاف نوعان، خلاف تضاد وخلاف تنوع، وما فعله عمر – رضي الله عنه – من النوع الثاني[70]، وقد أقره على اجتهاده كل الصحابة ولم نسمع أحدًا عارضه، وقد بسطت ما ابتكره عمر من طريقة جديدة في اختيار الخليفة من بعده في كتابي فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، فمن أراد التوسع فليرجع إليه مشكورًا.

 

2- ما قاله على في عمر بعد استشهاده: قال ابن عباس كما هو في صحيح البخاري: وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعنى إلا رجل آخذ منكبي، إذا على بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيرًا ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر[71].

 

3- قول على في عمر: إن عمر كان رشيد الأمر: وها هو حرصه على عدم مخالفته بعد وفاته: عن عبد خير قال: كنت قريبًا من على حيث جاء أهل نجران قال: قلت: فإن كان رادًا على عمر شيئًا فاليوم، قال: فسلموا واصطفوا بين يديه، قال: ثم أدخل بعضهم يده في كمه فأخرج كتابًا فوضعه في يد على، قالوا: يا أمير المؤمنين، خطك بيمينك وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك، قال: فرأيت عليًا وقد جرت الدموع على خده قال: ثم رفع رأسه إليهم فقال: يا أهل نجران، إن هذا لآخر كتاب كتبته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فأعطنا ما فيه، قال: سأخبركم عن ذاك؛ إن الذي أخذه عمر لم يأخذه لنفسه، إنما أخذه بجماعة من المسلمين، وكان الذي أخذه منكم خيرًا مما أعطاكم والله لا أرد شيئًا مما صنعه عمر إن عمر كان رشيد الأمر[72]، وهذه الحادثة أصل الفقهاء عليها قولهم: لا يرد القاضي اجتهاد قضاء من قبله عند على[73]، وروى عنه أنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون حتى تكونوا جماعة، فإني أخشى الاختلاف[74]، وهو قول جمهور الفقهاء[75]، وقد قال على: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر[76].

 

4- إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله، فأنا أكرهه لذلك: لما فرغ على من وقعة الجمل، ودخل البصرة، وشيع أم المؤمنين عائشة لما أردات الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة، فدخلها يوم الاثنين، لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين، فقيل له: انزل بالقصر الأبيض، فقال: لا، إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك، فنزل في الرحبة وصلى في الجامع الأعظم ركعتين[77].

 

5- حب أهل البيت لعمر رضي الله عنه: إن من دلالة محبة أهل البيت الفاروق – رضي الله عنه – تسمية أبنائهم باسمه، حبًا وإعجابًا بشخصيته، وتقديرًا لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقرارًا بالصلات والودية الوطيدة التي تربطه بأهل بيت النبوة والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم، فأول من سمى ابنه باسمه أمير المؤمنين على بن أبي طالب سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية عمر[78]، وقد جاء في كتاب صاحب الفضول، حتى ذكر أولاد على بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهى الصهباء بنت ربيعة من السبى الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر، وعمَّر عمر هذا حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث على رضي الله عنه، وذلك أن جميع إخوانه وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين رضي الله عنه – يعني أنه لم يقتل معهم – بالطف فورثهم[79]، هذا وتبعه حسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم فسمى أحد أبنائه عمر أيضًا[80]، وكذلك الحسين بن على سمى عمر، ومن بعد الحسين ابنه على الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه باسم عمر[81]، وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم سمى أحد أبنائه باسم عمر[82]، فهؤلاء الأئمة من أهل البيت الذين ساروا على هدى النبي صلى الله عليه وسلم ومعالم منهج أهل السنة والجماعة بسيرتهم العطرة يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له بعد وفاته بمدة، وقد جرى هذا الاسم وكذلك أبو بكر وعثمان في ذرية أهل البيت ممن ساروا على مذهب الحق وهو منهج أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا، ونجد أسماء الصحابة وأمهات المؤمنين في البيوت الهاشمية التي التزمت بالكتاب والسنة، فقد سموا طلحة، وعبد الرحمن وعائشة وأم سلمة ونحن ندعو الشيعة اليوم إلى الاقتداء بعلي والحسن والحسين وسائر الأئمة من آل البيت، فيسمون بعض أبنائهم وبناتهم بأسماء الخلفاء الراشدين، وأمهات المؤمنين [83]، نرجو ذلك.

 

6- عمر بن الخطاب جعله الله سببًا في ذرية الحسين بن على بن أبي طالب: أعطى – عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – للحسين بن على رضي الله عنهم من غنائم الفرس ابنة يزدجرد ملك الفرس، فولدت له زين العابدين على بن الحسين الذي لم يبق من أبناء الحسين غيره، وكل ذرية الحسين تناسلوا منه وينسبون إليه[84]، فليحذر الذين يسبون عمر بن الخطاب ممن ينتسبون إلى الحسين، فلولاه بعد الله لما كان لهم وجود[85]، كما أن عمر – رضي الله عنه – أعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فكان عديلاً للحسين، وأنجبت له القاسم بن محمد بن أبي بكر فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعلى بن الحسين زين العابدين ابنى خالة[86].

 

7- قول عبد الله بن الحسن بن على بن أبي طالب في عمر[87]: عن حفص بن قيس، قال: سألت عبد الله بن الحسن عن المسح على الخفين، فقال: امسح، فقد مسح عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: فقلت: إنما أسألك أنت تمسح؟ قال: ذاك أعجز لك، أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي، فعمر كان خيرًا مني ومن ملء الأرض، فقلت: يا أبا محمد، فإن ناسًا يزعمون أن هذا منكم تقية، قال: فقال لي – ونحن بين القبر والمنبر-: اللهم إن هذا قولي في السر والعلانية، فلا تسمعن علىَّ قول أحد بعدي. ثم قال: من هذا الذي يزعم أن عليًا رضي الله عنه كان مقهورًا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأمر ولم ينفذه؟ وكفى بإزراء على علىًّ ومنقصة أن يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأمر ولم ينفذه[88].



[1] الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ص (1102)، المعرفة والتاريخ (1/ 481).

[2] فضائل الصحابة رقم 1100إسناده ضعيف.

[3] علل الحديث ومعرفة الرجال.. على بن المديني: ص (42، 43) نقلا عن خلافة على بن أبي طالب، عبد الحميد على: ص (70)، البخاري رقم 4481.

[4] المعرفة والتاريخ للفسوى (1/ 444).

[